دبي – زينة صوفان /

حينما يحتفي حسين فهمي بمكالمة مصطفى، قائلاً إنه شي أن تكون زحمة الحياة قد أسقطته من ذاكرة الغالي، ثم يتوالى الغناء من حناجر نجوم العالم العربي الأخوة والأبناء والآباء والأزواج منهم، وهم يتهاتفون في إعلان شركة للاتصالات، تقفز إلى ذاكرتنا، نحن المشاهدين، صور حميمة من ماضي عائلاتنا وحاضرها، ويصبح الإعلان بمثابة مسألة شخصية تمس شغاف القلب.

وبينما يشيع الشهر الفضيل أجواء الوصل بين الأهل والأحبة، تتقطّع أوصال الأعمال التلفزيونية في وقفات إعلانية مطولة تذكرك بأمرين: أولاً: أن صناعة الإعلان والإعلام فن يحمل قدراً هائلاً من الإبداع والإمتاع والرسائل القادرة على التأثير في توجهات الرأي العام. ثانياً: أننا شعوب تختار بغالبيتها نسيان الصالح العام لمدة 11 شهراً لتتذكره بقوة في شهر الصيام، وهو ما يدفع نجوم قطاع العمل الأهلي إلى تركيز حملاتهم المتفاوتة جمالياً، على شاشات تعيد وتزيد في عشرات المسلسلات الدرامية. وفي رمضان من كل عام نتذكر من جديد مستشفى سرطان الأطفال، وبنك الطعام، وغيرهما من مبادرات المجتمع المدني، التي تمثل جواهر تاج الإنسانية في المجتمع العربي.. مؤسسات كشف نجاحها القدرات الكامنة في القطاع الأهلي، حينما يعمل مستقلاً عن الحكومات، فيحقق نفعاً كبيراً يعود بالخير على المجتمعات، وعلى ميزانيات هذه الحكومات المثقلة بالأعباء في آنٍ.

وفي الكواليس، تعمل آلاف المنظمات الأهلية على امتداد الوطن العربي، فتعنى بشؤون الفقر والجوع والمرض وحقوق الأقليات والنساء وغيرها، دون أن نعرف الكثير عن طبيعة عملها، أو عن مدى فاعليتها، أو عن احتراف العاملين بها، وللحكومات مصلحة كبيرة في تغيير هذا الأمر.

المطلوب إعداد قاعدة بيانات شاملة عن منظمات المجتمع المدني، وتحديث القوانين الراعية لعملها، بحيث تكون مشجعة لا مكبّلة لها، وصوغ مقاربة جديدة لقضية تمويل هذه المنظمات، عوضاً عن الاكتفاء بمحاصرة التمويل الأجنبي لها، أو استهداف السيطرة على بعضها عبر التمويل الحكومي. فمن دون تمويل مستقل لن تتحقق أهداف التغيير والتنمية المرجوة من عمل القطاع المدني.

وعلى الجمعيات في المقابل أن تخضع أداءها لنقد ذاتي صادق، تعيد في ضوئه تشكيل نماذج عملها وفق العقلية السائدة في القطاع الخاص، وأن تبحث بجدية عن مصادر التمويل البديل أو الذاتي، الذي بات استراتيجية أساسية لعمل رواد الأعمال الاجتماعيين.

وأخيراً.. تقع مسؤولية التبرع ببعض الوقت على عاتق القطاع الخاص وعاتقنا كأفراد: وقت لتدريب وتأهيل كوادر العمل المدني، ووقت لدعم نشاطاته على مدار العام، وربما وقت مجاني لبث رسائله في زحمة رمضاننا التلفزيوني.

 

نشر في صحيفة العربية بتاريخ 25/06/2015 *


Don`t copy!