أرفض رفضا قاطعا الذهاب لمشاهدة فيلم سينمائي أو عمل مسرحي لم أبذل جهدا كافيا في التحري عنه أو قراءة ما كتب فيه. أكره اضطراري لمغادرة صالة السينما في الظلام ولا أطيق فكرة النوم في غير سريري. لكنني أتجنب كل ذلك الجهد المسبق حين تحل أيام “آرت دبي” فأمنّي نفسي في مارس من كل عام بموعد مع الدهشة…

اللعبة مثيرة جدا فأنا أتحرك بسلاسة وبطء نسبي بين أروقة المعرض…أمرّر نظري سريعا على اللوحات والمنحوتات والمعروضات والمعلقات…مسح سريع ينتج عنه توقف لبضع دقائق أمام ما يشعر مستودع ذاكرتي أنه لم يعبر به من قبل…أبدد الفضول بتعارف سريع وأواصل لعبة الانسياب..

لكن ما آتي لأجله هو تلك الشهقة التي تغلبني حين ألتف حول حائط فأصطدم بذاكرة الفنانة التايوانية “يوين شي” التي مزقت دفاتر يومياتها وصنعت من أوراقها المختلطة ومن أزمنتها المتداخلة ذاكرة جديدة ملتبسة…أضاءتها من الداخل ومنحتها هدية للعابرين مثلي…

ما آتي لأجله هو ذاك المغناطيس الذي يسحبني في اتجاه لوحة فوتوغرافية للتركي “سارب” قبل أن أتبين ماهيتها…رأس مدفونة في الركبتين وأقدام تتجه نحو السقف في امتداد لجسد لين عار ملتف على نفسه…لا وجه للرجل الذي تلتصق بجلده غلالة بصرية يقول لك إرثك الحضاري أنها تلمسك…وتجدك في حضرة بدايات القرن السابع عشر في إسطنبول بينما العمل على قدم وساق في جامع السلطان أحمد الذي منحته زخارفه الزرقاء لقب المسجد الأزرق.

ولا بد من دهشة مستعادة حين أجدني من جديد في مواجهة عالم سكن وجداني مذ تعرفت عليه…لا يمكن أن أضبط الإثارة التي تصيبني حين أصطدم من جديد بعالم الفنانة البصرية الإيرانية “شيرين نشأت”…بشياطينه الطالعة من حكايا ملك الملوك ورقته التي تستحضر رباعيات عمر الخيام في ليالي سمرقند وعذاباته التي جاءت مخطوطة من رسائل سجون السياسة المعاصرة على وجوه وأجساد الرجال والنساء…بالأسود والأبيض.

وفي كل عام أشعر بأنني أريد البقاء زمنا في ركن ما…هذا العام شعرت بألفة غريبة وسط جلبة الأصوات التي ملأت فضاء الغرفة المظلمة للفنانة المصرية “دعاء علي” حيث اختلطت قنوات صوتية أربعة بفيديوهات جدارية. سمعت كلاما مفككا ومجمّعاً عن الله والموت والمرض وحركة التاريخ …ليتني أستطيع أن أسكن أسبوعا كاملاً في “بيت الشائعة”.

أخذت معي من آرت دبي تجربة حسية جديدة وتركت خلفي للأعمال الفنية دهشة آمل أن أستعيدها في لقاء مقبل.

 

  • *العمل الفني في الصورة للفنانة جوين شيه.

Don`t copy!