دبي – زينة صوفان /

يعيش لبنان اليوم لحظته التاريخية الفارقة بامتياز… خرج المارد شامخا من القمقم..ليكسر سلم القيم المهترئ..لينتصر لكل ما هو لبناني أصيل هشمته تشوهات نظام بائس جثم على صدر اللبنانيين دهرا.. إنها لحظة الألق لشعب يعشق الحياة إلى درجة الموت.

اللحظة تاريخية بكل ما تحمل الكلمة لكتاب المستقبل من معنى..مسؤولون يحاولون اللحاق بساعة الشارع والخروج أخيرا بما عطلته دهرا مصالحهم وأخره عمرا فسادهم، وشعب حي خرج إلى الميادين فارضا إرادة نبيلة عابرة للطوائف..كارهة للكذب والتلون..رافضة لفرضيات الأمر الواقع الرديئة.

يخرج اللبنانيون إلى الشارع وفي صدورهم أدخنة الحرائق التي أكلت أحراشهم..وفي أفواههم طعم النفايات التي لوثت هواءهم وماءهم. تخرج القوى العاملة إلى الشارع لأن ثلثها بلا عمل. يخرج الكبار شوقا لشبابهم الذين هاجروا بلا رجعة.

في ساعات الغليان الأولى تركض السلطة في دوائرها المفرغة.. تمارس هوايتها المفضلة بتبادل الاتهامات المضحكة المبكية.. ثم تتبعها بفعل هول الصدمة برمي بالونات الاختبار إلى الشارع والشارع يقول كلمته بسلمية مدوية. لم نعد نصدقكم وكفى.

ماذا يريد اللبنانيون؟
يريد اللبنانيون أن يعيشوا حياة كريمة تليق بهم. يريدون حلما يستحق الحياة لأبنائهم..يريدون كرامة مصانة لمتقاعديهم. يريدون علما وطبابة. يريدون ماء وكهرباء. يريدون نوافذ مفتوحة يدخل منها الهواء النظيف ويريدون فضاء رحبا يتسع لنداءاتهم حين تعتمل في صدورهم المخاوف والهواجس.
طريق الألف ميل يبدأ بخطوة..والمارد خطوته جبارة.

في مقدمة استعراضه لمنظومة المخاطر التي تعترض الاقتصاد اللبناني يورد صندوق النقد الدولي خطر التناحر السياسي الداخلي بما يعيق تنفيذ الإصلاح المالي المنشود في الموازنة العامة للدولة. تحقق هذا الأمر يتسبب في فقدان الثقة وخفض الودائع ورفع كلف الاستدانة وتجديد الديون المستحقة ناهيك عن الضغط على سعر الصرف وتآكل الاحتياطيات الصعبة.

ويقول الصندوق إن تفادي الخطر يرتبط بعدة أمور على رأسها تطبيق الإصلاح المالي وتمرير التشريعات المفتاحية لهذا الغرض. ويؤكد أن إعادة التوازن للاقتصاد في إطار نظام يثبت سعر صرف العملة بالدولار يتطلب ما هو أبعد من الإصلاح المالي إلى إصلاح اقتصادي هيكلي يعزز مناخ الأعمال في البلاد ويرفع من مستوى الحوكمة ويخفض مستوى الفساد ويحفز الاستثمار ويرفع النمو ويعظم الصادرات.

وفي معرض اعتراف الصندوق بأن لبنان أظهر مرونة وصلابة فريدة في وجه تحديات من شأنها أن تقسم ظهور دول عديدة يؤكد أن لحظة الحقيقة حانت وبات المطلوب إجراءات جذرية تبدأ ولا تنتهي بخطة قطاع الكهرباء.

لكن اللبنانيين اليوم يريدون أكثر من الكهرباء وأكثر من الاقتصاد..وهذا ما على مختلف الأفرقاء المتخاصمين المتحالفين إدراكه. وفي جوهر هذا الإدراك قد تكمن إشارة الخلاص.

يقول عقلاء بأن إحدى الصيغ الشجاعة للخروج من النفق إلى النور اليوم هي: التعهد ببقاء مؤقت للسلطة الحالية بشكل مصغر ومطعم بقوى التكنوقراط والمجتمع المدني، لتنفذ تحت رقابة الشارع استحقاقات مفصلية بدءا من إصلاح الاقتصاد وصولا إلى قانون الانتخاب ومرورا بإرساء أسس العدالة الاجتماعية في بلد تسيطر نسبة 1٪ من أثريائه على 50٪ من ودائعه المصرفية.

وفي التفصيل أن يستمر رئيس الحكومة علي رأس تشكيل صغير يضم 14 أو 15 وزيرا نصفهم من التكنوقراط ومن ممثلي المجتمع المدني ليعملوا على تنفيذ الورقة الإصلاحية التي يجري الحديث عنها ضمن مهل محددة بما يسمح ببدء تدفق أموال “سيدر” وفي إطار خطة أوسع تضع حجارة الأساس لإصلاح سياسي واقتصادي مستدام. فالمشكلة اليوم ليست شكاً في صوابية ورقة إصلاحية دون غيرها بقدر ما هي أزمة ثقة بين حاملي الأوراق وحاملي الأعلام اللبنانية في الساحات.

هل هذه هي الصيغة الحلم؟ يقول البعض أن الشارع سيسقط حتى هذه الصيغة. لكن المنطق يقضي أن تكون العقلانية في لحظة الغليان الجماعي الوجه الآخر للخيارات الرابحة. حين يصبح من الواجب التاريخي رفع درجة وعينا فوق الجراح والوجع والتقاط أول الخيط ومتابعة تحقيق المكاسب..الحزمة تلو الأخرى..فالمجهول قد يصنع المستقبل وقد لا يصنعه.. في حين أن الإرادة الحرة تصنع المستحيل بأدوات الواقع وليس في فقاعات الفراغ.

أي شيء دون ذلك يعني انهيارا محتما لجبل الجليد.

نشر في صحيفة درج بتاريخ 20/10/2019 *

image by Rabih


Don`t copy!