دافوس – زينة صوفان /

كان البرد قارساً ومؤلماً بشكل استثنائي في «دافوس» 2017.. تباً للطقس الذي يبالغ في تطرفه في هذه البقعة السويسرية كما حول العالم، ليشهد على تغيرات مناخية لا تحقّرها إلا شكوك السيد دونالد ترامب!

كنت أعرف أن المنتدى الاقتصادي العالمي سيكون مختلفاً هذا العام، فهو ينعقد بعد شهور قليلة على سقوط تنبؤات دوراته الماضية جملة وتفصيلاً. ها هي العولمة تحت مبضع الجراح.. ها هي بريطانيا تطلّق الاتحاد الأوروبي، وها هو ترامب بكل ما يمثله من خروج على كلاسيكية المؤسسات السياسية، حاكماً فعلياً لأكبر اقتصاد في العالم.

النخب كانت تبحث عن الأرضيات الوسطى، والحلول الوسطى، والطبقات الاجتماعية الوسطى.

النخب التي تحج إلى «دافوس» في يناير من كل عام، كانت على مدى الأيام القليلة الماضية تبحث بشكل لافت عن الأرضيات الوسطى، والحلول الوسطى، والطبقات الاجتماعية الوسطى. لكنها فوق وقبل كل شيء، كانت تبحث عن مد جسور خشبية، تصلها بقيادة العالم في شكله الجديد.. فكان أن انعقد المنتدى، تحت عنوان «القيادة المسؤولة والمستجيبة».

وكما في كل مرة كانت هناك لحظة البريق.. اللحظة التي تمنح كل نسخةٍ من المنتدى لوناً وطعماً ورائحة لا تنسى.. لحظة احتلها في تاريخ «دافوس» نيلسون مانديلا عام 1992، وياسر عرفات عام 2001، وقبله بعام بيل كلينتون.

17 عاماً فصلت بين صعود كلينتون المسرح، كأول رئيس أميركي يخطب في «دافوس»، وبين اعتلاء السيد شي جين بينغ منصة الافتتاح كأول رئيس صيني يحضر المنتدى الاقتصادي العالمي. حدّث الزعيم الصيني جمهوراً قلقاً عن دروس 38 عاماً من الإصلاح الاقتصادي. فَرَدَ هواجس البدايات، فقال: «الصين كانت لديها شكوكها»، في وصف لحالة التردد الصيني الأولي إزاء الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية.

قال السيد شي جين بينغ عبارات كثيرة، بقيت معلقة بذرات الهواء المحيط بالمجتمعين في «دافوس» لأيام.

قال إن على جميع الموقعين على اتفاقية باريس الالتزام بمضامينها.

قال إن العولمة لها ما لها، وعليها ما عليها، وإن محاولة دفع محيطها الهائج اليوم للعودة إلى بحيرات الانعزال الأولى أمرٌ منافٍ لحركة التاريخ.

وقال إن الصين ستترك أبوابها مشرعةً، ولن توصدها.

أشاع كلام رئيس ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وأحد مصادر قلقه التقليدية، ارتياحاً هائلاً في «دافوس».

أدار مفردات وصفه خارطة الطريق نحو المستقبل بدقة وثقة، فتحدث عن البحث المبتكر عن محركات جديدة للنمو، وعن إصلاح أنماط الحوكمة العالمية، وعن ردم الهوة بين العائد على رأس المال، والعائد على العمل. في 50 دقيقة التقط الزعيم الصيني حبال الجسر الخشبي، وأيقن الحاضرون أنه على أهبة الاستعداد لردم الهوة السحيقة، التي يخلّفها تعقّد المشهد أوروبياً وأميركياً في عالمنا اليوم.

نشر في صحيفة الإمارات اليوم بتاريخ 24/01/2017 *


Don`t copy!