دبي – زينة صوفان /

على رقعة صوف مساحتها ثلاثة أمتار وثلث المتر المربع، رسم حليم بكحل العين الممزوج بالأكريليك مدينته كما اختزنتها الذاكرة على امتداد عقدين من الزمن.”بغداد في الجنة”… ثلاث قبب وثقوب كثيرة تغطي وجه اللوحة الليلية المتكئة على جدار حجري عتيق في مدينة تلهث نحو المستقبل.

“تذكرني هذه اللوحة بثلاث سنوات اختبأت فيها في الصحراء العراقية هرباً من الخدمة العسكرية، صنعت لنفسي حفرة بعمق مترين وبنيت فوقها قبة من التبن والطين والأعشاب الناشفة، كنت كأنني أسكن علبة سوداء أتأمل العالم من ثقوبها”يقول الرسام العراقي حليم الكريم بينما يمعن النظر في لوحته التي تتصدر الفناء الداخلي لغاليري”XVA”في دبي.

هو مشهد مختلف عما راج عن مدينة الأبراج وأسواق المطارات، رائحة الزمن الغابر تجتذب العالقين في فخ الذاكرة. يقول حليم ان للحياة نبضاً مختلفاً في”بستكية”، أقدم وجوه مدينة دبي.

حيّ يستريح على كتف القناة المائية المعروفة بالخور، تحتضنه حوائط الأزقة الضيقة فتحمي دواخله من الحر والقيظ. الرؤية فيه واضحة حتى حين تزور الصحراء المدينة، فتلبس بنايات شارع الشيخ زايد على مسافة بضعة كيلومترات غلالات الغبار الأصفر، فلا يكاد يظهر منها إلا رأس برج دبي، الذي يستعد لحمل لقب المبنى الأكثر ارتفاعاً في العالم.

بعد دقائق من السير في الأزقة الرملية يستولي الحي بسحره على زائره، يمتلئ النظر بجمال الأبنية المرجانية الحجر، ترتاح المشربيات الخشبية على طبقاتها العلوية وتتزين مداخلها وأفنيتها بأعمال الجبس الدقيقة. وفيما تغيب عنها أو تستتر فيها مظاهر الحداثة التقنية والكهربائية، تشق سماءها أبراج الهواء المعروفة بـ”البراجيل”، وهي النسخة القديمة من المكيفات، تلتقط نسائم البحر وتسحبها الى داخل الأبنية.

شيدت”البستكية”أواخر القرن التاسع عشر على أيدي تجار قماش ولؤلؤ ميسورين حطوا رحالهم قادمين من بستك في إيران. وعمدت دائرة المباني التاريخية في بلدية دبي بعد إنشائها عام 1990 الى إعادة الروح الى الحي عبر ترميم أبنيته وأزقته.

يتوسط معظم الدور فناء مظلل، وتنتصب وسط فناء غاليري”XVA”شجرة فارعة، ويتصل الفناء – المستخدم كمقهى – مع داخل الدار عبر أكثر من عشرين باباً خشبياً يأخذ الزائر بعضها في ممرات ضيقة فيعبر به الى غرف متلاصقة أو مساحات جانبية مفتوحة…هي متاهة ساحرة على كل حال.

أحد الأبواب يقود الى أعلى حيث غرف قليلة للضيافة يقطن إحداها بشكل دائم الرسام حليم منذ العام 2005.

عام 2003 افتتحت الأميركية مونا هاوسر غاليري”XVA”الذي شكل منذ ذلك الحين نقطة استقطاب للسياح والباحثين عن وجه آخر لدبي. وحوَّلت هاوسر المبنى المرمم الى معرض ومقهى وفندق أصبح اليوم المساحة الأكبر للعرض الفني في دبي.

ينظم الغاليري في آذار مارس من كل عام معرض الخور الفني، واستطاع أن يجذب الى الإمارة الشابة على رغم عمره القصير فعاليات مميزة.

عام 2007 أطلق فيه الكاتب العالمي باولو كويلو آخر أعماله”ساحرة بورتوبيللو”واختارته دار الموضة العالمية”فندي”لإحياء أمسيات ترويجية لها هذه السنة، حتى أن إحدى الفرق الموسيقية التي اجتذبها المكان، لتصوير فيديو كليب قدمت من اليابان.

ولاقت أعمال حليم نجاحاً لافتاً في دبي. أكثر من أربعين من لوحاته اشترتها بورصة دبي للطاقة التي افتتحت حديثاً في مركز دبي المالي العالمي لتزين بها مكاتبها وقاعاتها.

مشروع حليم الجديد وإن كانت تفاصيله لا تزال ضبابية، إلا أن عنوانه الكبير راسخ في عقله ومخيلتة، بعد ما تعرض له المتحف العراقي من نهب وسلب بعد سقوط بغداد. يقول حليم:”مشروعي المقبل سيتناول هذه الهمجية وهذا الإنتهاك الفاضح للمحرمات، سأستخدم فن الفيديو والفوتوغراف وسأقارب الموضوع من خلال تصور انتهاك اللوفر بهذه الصورة،”.

يذكر أن حليم ولد في النجف عام 1963 وسكن وعائلته بغداد حيث التحق بأكاديمية الفنون الجميلة، عام 1991 هاجرت العائلة ووزعت الأمم المتحدة الأخوة والأبناء على دول أوروبا وأستراليا وأميركا. هولندا كانت مستقره الى حين. هناك تابع دراساته الفنية وأثبت حضوراً جعله العربي الوحيد الذي يعرض المتحف الوطني الهولندي أعماله. وبدأت هذه الأعمال بالسفر خارج حدود إقامته حتى تسنى له أن يعرضها عام 2007 في متحف الفن المعاصر في بولدر في كولورادو في الولايات المتحدة وهو إحدى البقع الفنية الأرقى في العالم.

 

نشر في صحيفة الحياة بتاريخ 24/09/2008 *


Don`t copy!