نيويورك – زينة صوفان /

كان الطابور يضم رجلاً مقعداً وامرأة عجوزاً وأبوين يجران أطفالاً في عربتين وتلامذة مدرسة صيفية بزيّ موحد، والساعة تشير إلى العاشرة صباحاً، موعد بدء العمل في متحف التاريخ الطبيعي في قلب التفاحة الكبيرة، مدينة نيويورك.

بلغت دوري إلى شباك التذاكر، فنبهني الموظف بلطف إلى لائحة «مقترحة» لأسعار التذاكر، وعندما لاحظ دهشتي، شرح لي أن الدفع مسألة اختيارية، فإن قرّرها الزائر أوصته إدارة المتحف بدفع الرسم المبين، الذي يبلغ 22 دولاراً للبالغين، و12 دولاراً للأطفال، و17 دولاراً لكبار السنّ.

«المتاحف إنما تشكّل رافعات مهمة للاقتصادات الراعية لها».

بدأت رحلتي في أرجاء المتحف متنقلة بين عالم البحار وعوالم الغابات والجبال، في الطابق الرابع وضعت يدي على الجمجمة الحقيقية لديناصور يقدر عمره بـ65 مليون سنة، فتملكني شعور غريب بالضآلة، تعاظم هذا الشعور حين شاهدت في سماء البلانيتيريوم عرضاً بصرياً مبهراً بعنوان «العالم المظلم»، بيّن لي العرض أن تطور علم الفلك الهائل في القرن الأخير إنّما أفرز المزيد من الألغاز الكونية، على غرار الطاقة المعتمة التي تسرّع توسع الكون، والكتلة السوداء التي نجهل ماهيتها.

أضحكني المعلق حين قال إنه على امتداد الكون الذي تشكل مجرة درب التبانة قطرة في محيطه، سيشعر كل من ينظر إلى الكون حوله حتماً أنه هو وحده نقطة الارتكاز التي تجتمع مجرات العالم حولها وتدور في فلكها.

وفي قاعة تنتشر في أطرافها هياكل عظمية آدمية وشبه آدمية، وقفت أتأمل لوحة عن نظرية داروين كتب فيها: … واليوم يرى كثيرون بمن فيهم رجال دين بارزون وعلماء، أن الاستكشاف العلمي في العالم المادي والبحث الروحاني عن معنى الوجود الإنساني لا يتصادمان بطبيعتهما.

كل هذا بـ22 دولاراً فقط؟!

في ساعات قليلة ملأت زيارة المتحف عقلي بالأسئلة، وجلبت لنفسي المتعة، وجعلتني أفكر في تحد إبداعي أخوضه على الصعيد الخاص، لأستأهل مكاناً صغيراً في حفلة الإبداع الهائلة التي يعيشها العالم، وأدركت في خضم الطاقة الإيجابية التي اجتاحتني الأثر الاجتماعي الهائل الذي تتركه المتاحف في المجتمعات الحاضنة لها. ثمة هوية مفتخرة دون تعال تلتصق بابن المدينة التي تحتضن المعارض والمتاحف على اختلاف توجهاتها وتخصصاتها.

أردت أن أعرف حجم العبء المادي الذي تفرضه هذه الصروح على حكومات دولها، الذي يجعلها رفاهية بالنسبة للسواد الأعظم من دولنا العربية، فتبيّن لي ببعض البحث أن المتاحف إنما تشكل رافعات مهمة للاقتصادات الراعية لها. ففي الولايات المتحدة يضع تحالف المتاحف الأميركية، وهو منظمة غير ربحية، المشاركة المباشرة للمتاحف في الاقتصاد الأميركي عند 21 مليار دولار سنوياً، مضيفاً إليها مليارات أخرى من خلال احتساب الإنفاق غير المباشر للزوّار.

ما أحوجنا إلى هذا العائد! وما أحوجنا إلى هذا الاستثمار!

 

نشر في صحيفة الإمارات اليوم بتاريخ 15/07/2015 *


Don`t copy!