القطاع الخاص العربي وتحديات الانفتاح على العالم

الشرق الأوسط –  زينة صوفان – يقول مارك غوتفردسون في حديث لـ«الشرق الأوسط» إنه يتذكر ذلك اليوم الشتوي من عام 2007 جيدا، حين توجه للقاء آلان مالالي الرئيس الجديد لـ«فورد» في مكتبه في الطابق الثاني عشر من المقر الرئيس لعملاق السيارات الأميركي في ديربورن في ولاية ميشيغان.

كان آلان ملالي قد تسلم دفة القيادة منذ بضعة أشهر وكان يحاول أن يفهم مكامن الخلل في فورد، تلك التي جعلت الشركة تهوي من نجاحات القرن الماضي لتعاني مع دخول الألفية الثالثة هوامش ربح متقلصة على خلفية اقتصاد أميركي متراجع وأسعار نفط مرتفعة.

عام 2006 كان عاما سيئا بكل المقاييس. في ذلك العام تكبد ثاني أكبر صانع سيارات في أميركا والخامس على مستوى العالم خسارة صافية بلغت اثني عشر مليار وستمائة مليون دولار.

«مارك، أنت لديك خبرة في قطاع السيارات، قل لي ما مشكلة فورد» هكذا بادر آلان، نائب الرئيس التنفيذي السابق لـ«بوينغ» – ضيفه الخبير في الشركة الاستشارية «بين أند كومباني».

«قلت له: لديكم الكثير من كل شيء يا آلان»، يقول مارك في حديث لـ«الشرق الأوسط».

قال مارك لآلان إن لديه الكثير من العلامات التجارية والكثير من الموديلات والكثير من نماذج التصنيع. قال له إن لديه 29 محركا بينما أحد منافسيه الرئيسين لديه اثنان. قال له إن نموذج أعمال «فورد» خاطئ وإن الشركة مشتتة وتفتقد التركيز وإن ذلك يجعلها غارقة في التعقيد.

تحرك آلان بسرعة. وفي الفترة ما بين 2007 و2010 باع أو أغلق ستا من العلامات التجارية الثمانية التي كان يصنعها. خفض طاقته التشغيلية بشكل كبير لتسجل الشركة عام 2009 أدنى رقم تصنيع سنوي لها في 27 عاما عند مليون وثمانمائة وستين ألف سيارة. في المقابل أخذت الشركة بتسجيل نمو في المبيعات شهرا بعد آخر.

تمثل «فورد» مثالا للعودة إلى القيمة الأصيلة في عالم الأعمال. فهي عادت لتقديم ما يريده الزبون وليس ما تمليه عليها لائحة أرباح مستهدفة. وهي كانت الوحيدة بين صناع السيارات الثلاثة الأكبر في الولايات المتحدة التي لم تطلب معونة أو تعلن إفلاسها حين وصلت الصناعة إلى حافة الهاوية في العام 2009.

وقد كشفت تداعيات الأزمة المالية العالمية حين بلغت منطقتنا قبل بضعة أعوام عن مكامن ضعف كثيرة في طريقة عمل الشركات لكن ارتفاع أسعار النفط ومعاودة الاقتصادات المصدرة له موجة النمو عادت لتخفي ملامح الخلل.

واليوم يدور كلام كثير عن مدى جاهزية العالم العربي للانخراط في عالم تنفتح فيه أبواب التجارة والمنافسة على مصراعيها. ويدور كلام كثير عن الربح السهل المستند إلى برميل الخام. والكلام يطال الحكومات بقدر ما يطال الشركات.

وقد تمثل معظم الشطط في أداء الشركات في مرحلة ما قبل 2009 بتجاوزها السبب الرئيس لوجودها وابتعادها عن جوهر عملها ونشاطها التشغيلي ومبالغتها في الاستدانة وتوسيع قاعدة إنجازاتها دون قيمة مضافة واضحة.

في المقابل كرست بعض الشركات الرائدة نموذجا للالتزام بالقيم وعدم الحياد عنها. ولعل «طيران الإمارات» تمثل نموذجا مضيئا في هذا الصدد.

وقالت الشركة منذ اليوم الأول إنها ستكون شركة للطيران عالي الجودة وعملت في ذلك الاتجاه. ركزت على شريحة معينة من المسافرين ولم تدخل في أي من نوادي التحالفات. لم تبن «طيران الإمارات» الأبراج حين فعل الجميع ذلك ولم تستثمر أموالها في قطاعات كثيرة بعيدة عن جوهر نشاطها خلال فورة ما قبل 2009.

وحين كانت معظم الشركات تقوم بتسريح الموظفين كانت الشركات الأكثر انضباطا تحافظ على ما لديها وتبني عليه..

يعترف فادي غندور مؤسس «أرامكس» بأن الشركة تعرضت لإغراءات كثيرة في زمن الطفرة لكنها اختارت أن تركز على جوهر نشاطها باعتباره خيارها الاستراتيجي منذ اليوم الأول.

أسس غندور «أرامكس» عام 1982 شركة لنقل البريد وتوزيعه وهي اليوم تشغل 14 ألف موظف على امتداد حضورها في سبعين دولة.

«كان خيارنا الاستراتيجي منذ البداية أن نكون شركة خفيفة لجهة الأصول وأن نبني قدراتنا في أسواق ناشئة وأن لا نقترب ممن لديه تركيز جغرافي مختلف عنا»، يقول غندور لـ«الشرق الأوسط».

الخفة في حمل الأصول سجلت لـ«أرامكس» نصرا استثنائيا إبان الأزمة إذ على الرغم من تراجع عائداتها بنسبة عشرة في المائة عام 2009 ارتفعت أرباحها الصافية بنسبة 25% بعد أن استفادت الشركة من قدرة مستجدة على إعادة التفاوض على الكثير من عقود مورديها ومؤجريها.

التحولات السياسية والأمنية والاقتصادية الكبيرة التي شهدتها منطقة الخليج في التسعينات وبعد دخول الألفية الثالثة كانت سببا في طفرات استثنائية عاشتها بعض الشركات.

«شركتنا كبرت بسرعة من 200 موظف وإيرادات بقيمة 20 مليون دولار إلى 30 ألف موظف وستة مليارات دولار من الإيرادات»، يقول طارق سلطان العيسى رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة «أجيليتي» في حديث لـ«الشرق الأوسط».

باتت الشركة التي تأسست في الكويت عام 1979 كشركة حكومية باسم المخازن العمومية تعرف باسمها الجديد عام 2006 حين قام العيسى بعملية إعادة ترتيب داخلية كاملة. قرر تسمية الشركة «أجيليتي» وهو المرادف الإنجليزي للسرعة أو خفة الحركة.

كانت «أجيليتي» قد أصبحت أكبر مورد للجيش الأميركي في الشرق الأوسط أثناء الحرب على العراق وهي ما لبثت أن وقفت على منعطف مصيري مع اقتراب انسحاب الجيوش الأميركية الذي سبقه دخول الشركة في نزاعات قضائية مع وزارة الدفاع الأميركية أواخر 2009 حول مسائل تسعير الغذاء للجنود في المنطقة. النزاع حرم «أجيليتي» زبونها الأهم آنذاك.

قررت الشركة أن تصب تركيزها على الأسواق الناشئة كالبرازيل والهند حيث تستفيد من تقديم العمل اللوجستي بعد بناء بنيته التحتية مما يحسن في نهاية الأمر عائداتها ويوفر عليها ثمن شراء أو استئجار المخازن وغيرها.

«لقد اخترنا أن نركز على الأمور التي يمكننا التحكم فيها. اخترنا التركيز على عملائنا وعلى تموضعنا الفريد في الأسواق الناشئة وقررنا التركيز على جوهر أعمالنا».

أثمرت الاستراتيجية عودة لـ«أجيليتي» إلى حقل النمو الصحي في أرباحها بعد تراجعات حادة عام 2010 وفي عام 2011 سجلت الشركة ارتفاعا في الأرباح الصافية على الرغم من تراجع العائدات نتيجة التخلي عن النشاط الدفاعي. في الربع الأول من العام الجاري سجلت «أجيليتي» نموا نسبته سبعة وأربعين في المائة بينما حقق سهمها مكاسب تجاوزت أرباح مؤشر السوق الكويتية.

وقد صنف تقرير صدر مؤخرا عن «غارتنر ماجيك كوادرانت» حول مزودي الخدمات اللوجيستية (الطرف الثالث) شركة «أجيليتي» كشركة رائدة في مجال الخدمات اللوجيستية على مستوى العالم لما تتمتع به من رؤية متكاملة تتضمن فهما عميقا للأسواق ولاحتياجات العملاء.

ويلخص غوتفردسون مواطن الخلل التي تتجمع فيها العقد في الشركات الكبيرة وتؤدي إلى انهيارها في زمن الأزمات على أنها:

* العقد المتأتية من الاستراتيجية

* العقد المتأتية من طبيعة المنتج وكيفية تركيبه

* العقد المتأتية من هيكلية الشركة التنظيمية

* العقد المتأتية من صعوبة الإجراءات

* العقد المتأتية من نظام تكنولوجيا المعلومات.

لكن معظم الشركات لا تدرك أنه تعاني من عقد في أحد مناحي العمل. غوتفردسون يلفت نظر رؤساء الشركات إلى بعض الأعراض التي تشكل مدخلا لتشخيص الشركة على أنها فاقدة للتركيز في أحد جوانب عملها وساقطة في فخ التعقيد.

تشمل العوارض بحسب غوتفردسون نمو النفقات العامة بشكل أسرع من نمو العائدات، زيادة طول الأمد المطلوب لتطوير منتج جديد، تجاوز عدد وحدات حفظ المخزون SKUs لدى الشركة ما لدى أفضل منافسيها بأكثر من 20 وأخيرا بدء الموظفين بالتذمر من البيروقراطية في الشركة.

وقد عاش عدد كبير من الشركات العربية الناجحة في المنطقة في العقدين الأخيرين ولا سيما في الخليج العربي آلام المخاض التي تلتها ولادة كيانات حديثة من أخرى تقليدية تفتقر إلى مفاهيم عالم الأعمال الحديث.

تمر الأعمال بحسب عمر الغانم، الذي يتربع على عرش مجموعة الغانم الكويتية منذ ثمانية أعوام بمراحل تحول أساسية تنقلها من عالم الرداءة إلى عالم الجودة بداية قبل أن تبدأ الرحلة الأصعب.

«عندما تضع نصب عينيك الرغبة في التحول من شركة جيدة إلى شركة عظيمة تواجه مستوى آخر من التحديات».

نجح رجل الأعمال الشاب في مضاعفة حجم أعمال الشركة العائلية التي أسسها جده قبل 85 عاما سبع مرات في ثمانية أعوام.

«غيرت فريق العمل مرتين» يقول الغانم لـ«الشرق الأوسط»، مؤكدا أن المنطقة العربية وإن كانت لا تفتقر إلى رأس المال والفرص إلا أنها تفتقر إلى المواهب الكفؤة مما يحتم عليه أن يصرف أكثر من نصف وقته كرئيس تنفيذي في الاستثمار في الموارد البشرية.

توجد مجموعة الغانم في 40 بلدا حول العالم وتوظف 18 ألف شخص في خطوط نشاطها الثلاثين التي تضم مروحة واسعة من أنشطة التصنيع والتوزيع والهندسة وأعمال التجزئة.

انشغل الغانم بمشروع حدد له ثلاث سنوات لفهم مؤشرات الأداء الرئيسة لكل فرع من فروع أعماله.

«أنا لا أشعر بالتزام عاطفي تجاه أي من أنشطة الشركة لكنني مرتبط عاطفيا بالإرث الذي خلفه والدي وجدي من قبله وبما يمثله هذا الإرث من قيم سأدافع عنها دائما».

الغانم لم يتردد في العودة عن أخطاء ارتكبت. يقول اليوم إن دخوله سوق التجزئة الهندي كان خطأ إذ اعتقد أن طريقة عمله المبتكرة ستهزم المجموعات التقليدية هناك. «كنا مخطئين.. وقد تعلمنا الكثير».

ويرجع فضل كبير في ارتقاء عدد من الشركات العربية إلى مصاف العالمية إلى الهياكل الإدارية المرنة التي طورتها. فـ«أرامكس» مثلا تسمي المسؤولين عن بلدان وجدها بالرؤساء التنفيذيين وتفاخر بإرث من اللامركزية صار جزءا من هوية الشركة.

«رؤساء أرامكس دائما على الجبهة الأمامية»، يقول غندور.

مرونة الهياكل التنظيمية في الشركة لا يقف في وجهها التمدد العددي و«مايكروسوفت» التي توظف 100 ألف شخص حول العالم مثال على ذلك.

يقول شربل فاخوري نائب الرئيس للمبيعات والتسويق والخدمات في «مايكروسوفت» الشرق الأوسط إن عدد الدرجات الوظيفية في «مايكروسوفت» لا يتجاوز التسع.

«المهم هو مسار اتخاذ القرارات في شركة ما. منذ عامين قال ستيف بالمر رئيسنا التنفيذي بأن الشركة ستركز على الأجهزة والحوسبة الحسابية. حدد الأولويات بينما سمح مستوى التواصل العالي داخل الشركة بأن ترشح هذه الأولويات بوضوح من أعلى المستويات إلى أدناها».

لكن منطقة الشرق الأوسط اليوم برأي غوتفردسون ما زالت تمثل بغالبيتها نموذجا لما يعرف بالرضا عن قصور الأداء حيث ترتضي الكثير من المؤسسات من حكومية وخاصة بتقديم ما يقل عن طاقاتها الكامنة بكثير.

وفي هذا السياق يقول الغانم: «الامتحان الحقيقي للمنطقة آت لا محالة.. حين يصبح النمو أقل سهولة وتصبح هوامش الربحية أضيق. سينجح أولئك الذين ركزوا استراتيجياتهم حول احتياجات عملائهم ورفعوا كفاءة أعمالهم».

«كثيرا ما يردد عملاؤنا على مسمعي أن سرعة اتخاذ القرار في أجيليتي توحي لهم بأن الشركة صغيرة ويستغربون حقيقة حجمها ووجودها في أكثر من 100 دولة. جزء من عملية إعادة تنظيم الشركة كان توضيح الأدوار بما لا يدع مجالا للشك»، يضيف العيسى.

ويصف غندور رأس الهرم في أي شركة بحامي المبادئ وربان السفينة.

«هو الذي يقود عندما يكون البحر هادئا وكذا حين تشتد العواصف. هو الذي يقدم المثل بالتزامه القواعد وتقديمه النتائج التي وعد بها».

* إعلامية اقتصادية – مؤسسة دبي للإعلام

زينة صوفان – www.zeinasoufan.com


Don`t copy!