دبي – زينة صوفان /

في إثرها كانت تتلمس طريقها، متكئة على عصا خشبية تحمل ثقل سنواتها التي ناهزت الـ100، تصدح حنجرتها بأغاني الفولكلور الإفريقي، بينما الصغيرة تجري بخفة بين الشجيرات، تلتقط عند جذوعها حبات الفطر البري، تحملها إلى الجدة العمياء فتكسرها وتشمها، تطبخ الصالحة للأكل منها، وترمي السامة.

«تشيدوغوفيرا» رائدة أعمال صغيرة قضت مراهقتها في زراعة الفطر حتى توجت ملكة له، واليوم تُدرّس رواد الأعمال في الغرب كيفية زراعته باستخدام تقنية فضلات القهوة المطحونة.

في الغابة المحيطة بكوخها، كانت «تشيدو» تدفن أحزانها الكبيرة على سنواتها السبع، كانت قد فقدت والدها قبل أن تخسر أمها في معركة شرسة مع الإيدز. تركت «تشيدو» المدرسة في التاسعة لتعمل خادمة في البيوت، ومزارعة في الحقول كي لا يبقى أخوها الوحيد بلا تعليم.

تكتمل قسوة المشهد الأول برجل من العائلة الممتدة، اختار التحرش باليتيمة الجائعة بدل حمايتها وإطعامها، قبل أن يعرضها للزواج في سن الـ10 لرجل تجاوز الـ40، فترفض.

في المشهد الثاني، تقف «تشيدوغوفيرا» شابة في الـ29 من العمر محاضرة في مقر البنك الدولي أمام نخب الاقتصاد، تتحدث بشغف عن حاجة ماسة إلى إعادة النظر في نظامنا الغذائي العاجز عن الاستدامة، نظام يقوم على زراعة تنتج 25% من انبعاثات الغازات الدفيئة على وجه الأرض، وتلوث البيئة، وتبالغ في استهلاك المياه.

ومع نهاية كل يوم، وبينما يأوي إلى الفراش 800 مليون جائع حول العالم، يرمي نظامنا الغذائي ثلث إنتاجه من الطعام في سلة القمامة.

في المسافة الفاصلة بين مشهد الغابة ومحاضرة البنك الدولي، سنوات قدمت خلالها منظمات غير ربحية تعمل مع الأيتام في إفريقيا للطفلة فرصة تعلم زراعة الفطر التي لم تعرفها حتى ذلك الحين قريتها «مارانغي» الواقعة على مسافة 400 كيلومتر شرق «هراري» عاصمة زمبابوي.

رائدة الأعمال الصغيرة قضت مراهقتها في زراعة الفطر حتى توجت ملكة له. واليوم تُدرّس «تشيدو» رواد الأعمال في الغرب كيفية زراعته باستخدام تقنية فضلات القهوة المطحونة التي طورتها بالتعاون مع جامعة «بيركلي» عام 2009.

كما أنها تعلم رواد الأعمال كيف يمكن لموسم واحد أن ينتج 75 كيلوغراماً من الفطر في مساحة متر مربع واحد من الأرض. مؤسستها الخيرية «مستقبل الأمل» تجمع التبرعات لبناء مدرسة في زمبابوي تحتوي على نظام إنتاج غذائي متكامل.

سألتها ونحن نتفرج على صور لها من القرية إن كانت قد سامحت الرجل الذي اغتصبها وهي لم تزل طفلة «أنظري إليه.. إنه رجل مكسور.. وأنا لن أكسر أمل الأيتام والجياع من أجله»،

بقيت كلماتها ترن في أذني. في نهاية ذلك اليوم، على طاولة العشاء، قلت لصغيراتي في البيت: إن نظام تعاملنا مع الطعام سيتغير إلى الأبد.

 

نشر في صحيفة الإمارات اليوم بتاريخ 21/05/2015 *


Don`t copy!