نيويورك – زينة صوفان /

أطلق الاستفتاء اليوناني عنان الرومانسية في أجواء الإعلام، فكثر الحديث عن انتصار الديمقراطية مقابل انهزام العنجهية الاستكبارية، وامتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بالتحيات الموصولة بالتهنئة لشعب اليونان العظيم على إنجازه التاريخي.

كنت في خضم متابعة ردود الفعل المهللة لرفض اليونانيين بأغلبية تجاوزت الـ60% خطة إنقاذ أوروبية أخيرة، عمادها التقشف، حين جاءتني رسالة من صديقة تنتظر زيارتي لها في اليونان في غضون أسابيع. قالت «تحسبي لوقف عمل المصارف، وأحضري ما يكفي من النقد لتغطية احتياجات رحلتك كاملة».

«من السذاجة تخيل أن ثمة مكاناً للاحتفال بانتصار اليونان خارج وحدة وطنية داعمة لقيادة مسؤولة تعي الحاجة الماسة للإصلاح من الداخل».

تخيلت في تلك اللحظة مواطنين يائسين، أغلقت المصارف أبوابها في وجوههم، فإذا بطرقات أثينا تستحيل في خاطري شوارع من ذكريات الحرب اللبنانية. أنهيت الحديث وقد تملكتني الحيرة، هل أكافئ «البطولة» والانتصار للديمقراطية بحرمان الاقتصاد اليوناني من دخل سياحي إضافي هو في أشد الحاجة إليه؟ هل أنا ضد «الديمقراطية»؟! تباً للخوف!

لكنني سرعان ما أدركت أنني لست وحدي من تتنازعه المخاوف، على اختلاف أحجامها وأوزانها ومخاطرها.

فالمستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل، يسكنها دون شك خوف من يتحرك داخل حقل من الألغام. تقول لها الخرائط إن عليها الاختيار بين إسقاط نظرية أحادية اتجاه طريق العملة الأوروبية لمصلحة خيار الرجوع عنها، أو الدوس على إرادة الرأي العام الألماني، الذي يرى بغالبية 52% أن الوقت اليوناني في ملعب اليورو قد استنفد، وأن كل الكروت الصفراء والحمراء قد استهلكت.

ويأخذ الخوف الفرنسي ملامح أخرى، إذ يدرك الرئيس الفرنسي، فرنسوا هولاند، أن بلاده لا تحتمل خضّة مالية أوروبية جديدة، وقد بدأ اقتصادها للتو يتلمس طريق العافية، كما يعزز رغبة سيد الإليزيه بلعب دور الوسيط بين أثينا ودائنيها رأي عام، يبدي يساره قدراً أكبر من التسامح مع الشعب اليوناني، في الوقت الذي تبدي فيه الدوائر السياسية العليا مخاوف من التداعيات الجيوسياسية لشق الصف الأوروبي، بما في ذلك انتهاء اليونان في أحضان إقليمية غير صديقة.

أما بطل الدراما الإغريقية بامتياز، فهو رئيس الوزراء اليوناني الشاب ألكسيس تسيبراس، الذي صعد وحزبه المتطرف بسرعة صاروخية إلى الحكم، مطلع هذا العام، على أكتاف الخوف اليوناني من الموت على درب التقشف اللانهائي.

تسيبراس رمى الجمرة الحارقة في أيدي مواطنيه، وقال لهم صوتوا لها أو ضدها، دون أن يفتح منابر الإعلام لنقاشات حرة أو مناظرات ديمقراطية تشرح التبعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية لنعمهم أو لائهم.

من السذاجة تخيل أن ثمة مكاناً للاحتفال بانتصار اليونان خارج وحدة وطنية داعمة لقيادة مسؤولة تعي الحاجة الماسة للإصلاح من الداخل، فأعلام التطرف، وإن رفرفت بحرية في سماء الـ«فيس بوك»، إلا أنها لن تكسب معركة إنهاض الاقتصاد على قدميه، وجذب السياح إلى ذلك الشاطئ الحالم على جزيرة يونانية صيفية.

 

نشر في صحيفة الإمارات اليوم بتاريخ 08/07/2015 *


Don`t copy!