دبي – زينة صوفان /

تذكرت تماماً كيف انخلع قلبي حين قفز التنبيه إلى شاشة هاتفي في ذلك الصباح، بقي الشبح يلاحقني طوال اليوم ويعيد تدوير ذكرياتي مع صاحبه صديق المهنة زهير.. شريط طويل لمهمات عمل أوصلتنا ذات يوم إلى محافظات نائية في جنوب تايلاند.

كيف يطلب مني «فيس بوك» أن أتمنى لزهير عاماً سعيداً وهو الذي رحل باكراً عن عالمنا؟! على مدى يوم كامل تابعت الأمنيات والأشواق تنساب من الأصدقاء ووجدتني أتصارع مع فكرة أن أكتب له كلمة رقيقة على جداره.. لكن رهبة الموت منعتني.

لعل الذكرى هي التي جعلت قشعريرة باردة تسري في جسدي حين قال المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «تيسلا» وشركة «سبيس إكس»، إيلون ماسك لحشد كبير في النسخة الأخيرة من القمة العالمية للحكومات في دبي: «إذا مات أحدهم فإن شبحه الرقمي يبقى حولنا».جميل أن يكون النقاش المحفز للعقل مع إيلون ماسك قد طرح على منصة عربية رائدة هي دبي »

بدا لي إيلون ماسك الذي يلهم العالم بجنونه وطموحه وقفشاته واقفاً على حافة الخوف الذي يأتي ملتصقاً بالأسئلة الصعبة. تحدث عن ولوجنا عالم الأتمتة وقال إنها ستوفر فيضاً من المنتجات والخدمات الرخيصة، لكنه قال كذلك إنها ستسرق جلّ أعمالنا ووظائفنا.

كيف سيحدد الناس معنى لوجودهم إن انتفت الحاجة إليهم وأصبحوا بلا عمل؟ بدا السؤال مؤرقاً لـ«ماسك» الذي نبه الحكومات في سياق آخر إلى ضرورة لجم علماء الذكاء الاصطناعي إن هم انساقوا في أبحاثهم نحو مكامن الخطر.

«أحد الأمور الأكثر إثارة للقلق هو مسألة الذكاء الاصطناعي.. الذكاء الاصطناعي العميق الذي يتجاوز ذكاء أذكى إنسان على وجه الأرض».

ميّز ماسك بين هذا الذكاء العميق أو العام وبين الذكاء الاصطناعي الضيق المعنيّ بتحقيق مهمات محددة تحسّن نوعية حياتنا على غرار العربات ذاتية القيادة التي تطورها شركته «تسلا».

وعند سؤاله عن مكمن الخطورة قال مترنحاً عند حافة التقاء الاقتصاد بالعلم وبالأخلاق: «الذكاء الرقمي السوبر سيكون بمثابة مخلوق فضائي».

لكن أعلى تجليات الغرائبية في حديث ماسك كانت عندما تحدث عن التطور الهائل الذي أصاب عالم الألعاب الإلكترونية، والذي يتوقع أن يجعل من لعبة ما في المستقبل عالماً يصعب تمييزه عن العالم الحقيقي.

«كيف نعرف أن هذا (التطور) لم يحدث بالفعل في الماضي وأننا لسنا أنفسنا في واحدة من تلك الألعاب؟!».

ماسك ختم بتوجيه رسالة للشباب مفادها أن أفضل إطار تحليلي لفهم وصناعة المستقبل يبقى الفيزياء.

«أنصح بدراسة أسلوب التفكير في الفيزياء.. ليس المعادلات على أهميتها فحسب، وإنما أسلوب التفكير الذي يسمح بفهم الأشياء المخالفة للحدس».

تذكرت زهير لكنني تذكرت أيضاً ابن الهيثم والبيروني وابن سينا.

جميل أن يكون النقاش المحفز للعقل مع إيلون ماسك قد طرح على منصة عربية رائدة هي دبي. وحريٌّ بنا أن نسعى لنكون جزءاً حيوياً في عملية صياغة معنى للمستقبل بأوجهه الاقتصادية والاجتماعية والفلسفية، وأن نصب الرهان باتجاه فتح كوّةٍ في جدار صلب اصطدمنا به لقرون طويلة فأعاقنا عن استئناف حضارة يريد لنا محمد بن راشد آل مكتوم أن نستعيدها.

نشر في صحيفة الإمارات اليوم بتاريخ 20/02/2017 *


Don`t copy!