/ دبي – زينة صوفان /

حققت سوق دبي نسبة النمو الأعلى بين أسواق المنطقة المزدهرة مع نهاية العام 2005، وهو العام الذي شهد مراحل من السباق المحموم باتجاه مستويات مدهشة وغير مسبوقة على مؤشر السوق. وكانت الارتفاعات تحمل مضاعفات ربحية الأسهم إلى مستويات مقلقة فتحتم دخول السوق مراحل متقطعة من التصحيح تعيد الى أسعار الأسهم بعضاً من صوابها. الا أن السوق التي أنهت العام 2005 بجملة انزلاقات تصحيحية، بدأت 2006 بمزيد من التراجع وبقليل من الزخم من مضاربين هواة استخلصوا كثيراً من الدروس الخاطئة والخطرة في آن من تجربة العام 2005 الذهبية.

فالمؤشرات المالية والتحليل التقني لا يعنيان جمهوراً واسعاً من زبائن سوق دبي المالية اليوم، أو أقله من مئات المستثمرين الذين تغص بهم ردهة التداول يومياً حيث تلتصق الأجساد فيما تشرئب الأعناق وتصوب الأنظار نحو لوحات الأسعار الإلكترونية الضخمة المثبتة في أرجاء المكان.”أهم شيء هو ان تكون حاضراً داخل الردهة لتتخذ القرار بحسب الأجواء المحيطة. أما أن تلجأ الى الاستشارات، فهذه مضيعة للوقت قد تخسر بسببها اللحظة المناسبة للبيع أو الشراء”، يقول رأفت وهو محاسب مصري ثلاثيني.

ومفهوم الاستثمار الطويل الأجل يعني لمعظم المتحلقين حول شاشات التداول الرقمية أسبوعاً أو اثنين. والبعض يرى أن الانتظار في ظروف السوق الحالية ضرب من الرفاهية قد لا تحمد عقباه.

“هذه أيام سيئة لا نبيع فيها ولا نشتري، بل نأتي كل صباح ونجلس هنا كما ترين نراقب اللوحات. عيننا الآن على سهم ننتظر اللحظة التي يزيد فيها نصف درهم على السعر الذي اشتريناه عنده كي نبيع”. تقول فارشا وهي ربة منزل هندية دخلت وقريبتها إندرا السوق في الخامس من كانون الأول ديسمبر، واستمتعتا بأيام قليلة من النشاط آنذاك. ويلخص فادي نظرته لأجواء التداول السائدة هذه الأيام في السوق فيقول:”اليوم عليك أن تضرب ضربتك في اللحظة المناسبة وتغادر في أسرع وقت ممكن. وأنا هنا دائماً أنتظر اللحظة المناسبة”. وكان فادي تخرج من إحدى جامعات دبي صيف 2005 وهو منذ ذلك الحين يمضي كل أيامه باستثناء العطل الرسمية في الردهة.

صغار المستثمرين

ولا يجد بعض المتداولين المبتدئين حرجاً من إعطائك درساً في خلاصة تجربته الطويلة في السوق:”مقومات النجاح في البورصة ثلاثة: مال ثابت وسرعة اتخاذ القرار. ولكن الأهم أن يكون ذلك من دون طمع”، يؤكد المصري رأفت – الذي خطا خطوته الأولى في ردهة التداول منذ ستة شهور.

وعلى عكس الأسواق العالمية الأكثر تطوراً، يكاد يغيب مفهوم صانعي السوق من مديري محافظ أو صناديق عملاقة، فيما تسيطر شريحة المستثمرين الصغار أو بالأحرى المضاربين على مسار الأمور. وتكمن مشكلة هؤلاء في أنهم، كما في سائر أنحاء العالم، ينتهجون مسلك القطيع. فإن أصابت حمى الشراء بعضهم تدافع الكل باتجاه هذا السهم أو ذاك. وإن أصاب القلق بعضهم ذعر الجميع وانتهجوا نهجهم في بيع هذه الورقة أو تلك. والحماسة والذعر محركهما واحد في أغلب الأحيان… الإشاعات أو ما يعرف بكلام السوق.

تتذكر ام سارة بحسرة كيف جرتها الإشاعات ومعها كثيرون لشراء سهم قيادي في ظل أسعار ملتهبة، فكان أن أحرقتها الصفقة.”أكثر سهم خسرت فيه كان”إعمار”. ما زلت أحمل الآن 20 ألف سهم. اشتريته حين كان الكلام في السوق ان السهم سيدرج في السوق العالمية بعشرة دولارات فقلت يعني 37 درهماً ولكن يبدو انني وغيري تورطنا في شراء السهم وتبين أن الكلام إشاعات. لكنني بالفعل لا أفهم ما الذي يجعل شركة قوية كإعمار تتراجع بهذا الشكل. على العموم أنا لن أبيع”. وكان السباق المحموم على إعمار، وهي الشركة العقارية العملاقة، دفع سهمها صعوداً الى مستويات لامست الـپ29 درهماً في تشرين الأول أكتوبر الماضي ليهبط بعد أقل من أربعة شهور الى مستويات الـ 19 درهماً. ولكن يبدو أن هذه الأسعار المتدنية والتي يقول المحللون إنها تشكل فرصاً استثمارية مغرية بانخفاضها تعجز عن جذب ما يكفي من اهتمام الكبار من أفراد ومحافظ للعودة الى البورصة بفاعلية في ظل التذبذب الذي تفرضه أجواء المضاربين المحبطين على هذه السوق.

أرباح ضخمة في 2005

لكن مسألة خروج صغار المستثمرين من السوق وتوجههم نحو وسائل استثمار أكثر ملاءمة لهم ما زالت تبدو بعيدة المنال، إذ ان السواد الأعظم منهم وعلى رغم الانتكاسات التي تعرضت لها السوق حقق عام 2005 أرباحاً مبهرة.

“لا أعرف إذا كان عام 2005 قابلاً للتكرار. هو برأيي يمثل الذروة. أنا شخصياً ضاعفت رأسمالي خمس مرات”، يقول صبيح وهو مواطن إماراتي في الخامسة والثلاثين، يعمل في إحدى الدوائر الحكومية بدوام ليلي يسمح له بمواظبة الحضور الى الردهة. ويوافقه مواطنه جمعة الذي يصغره بعشرة أعوام ويعمل في الشرطة فيضيف:”السنة الماضية دخل الناس السوق حفاة وطلعوا لابسين. لكن سنكون محظوظين هذه السنة ان عملنا 30 أو 40 في المئة عائداً”. وكانت القيمة الرأسمالية للسوق قفزت مع نهاية العام الماضي الى 400 بليون درهم مقارنة بـ 132 بليوناً في نهاية 2004، فيما سجل المؤشر العام للسوق نمواً تجاوزت نسبته 132 في المئة مع نهاية العام.

هذه المكاسب أغرت أعداداً هائلة من الناس بالانضمام الى نادي المستثمرين حتى وصل عدد المسجلين منهم الى 300 ألف مستثمر، يشكل غير الإماراتيين منهم نسبة 30 في المئة.”منتصف العام الماضي، كنت أملأ وحدي أكثر من 100 طلب للحصول على بطاقة مستثمر في اليوم، وكنا نمدد ساعات العمل لتلبية الزبائن. منذ بداية عام 2006 أتلقى يومياً 25 طلباً كحد أقصى من مختلف الجنسيات وأحياناً يمر اليوم من دون طلبات”، تقول إحدى الموظفات الإداريات في البورصة. وبحسب الإحصاءات، فإن حزيران يونيو الماضي شهد انضمام ما معدله 346 مستثمراً يومياً الى السوق. شكل المواطنون 36.6 في المئة من إجمالي المستثمرين الجدد، مقابل 63.4 في المئة من غير المواطنين، ربعهم من السعوديين.

أم سارة تدير 6 ملايين درهم

ولم تقتصر لعبة المال على الرجال فحسب، بل اجتذبت أعداداً كبيرة من النساء اللواتي تحولن من موظفات سابقات أو ربات منازل الى مديرات محافظ للأهل والأصدقاء.”كانت سنة حافلة بالأحداث. جربت فيها الحلو والمر”، تقول أم سارة وهي مواطنة إماراتية في السابعة والثلاثين دخلت البورصة أوائل العام 2005 لتدير ستة ملايين من الدراهم لمصلحة الأصدقاء والأقرباء، بموجب وكالات ومقابل عمولة متفق عليها.”ستة أعوام عملت مديرة إدارية في إحدى الشركات وكنت مديونة على الدوام. اليوم حققت الأرباح وصرت أبيع وأشتري لحسابي”.”لم يسحب أي من أصدقائي أموالهم مني. فأنا ضاعفت لعدد منهم رأسماله. هم يثقون بي وأنا صارت لدي معرفة بالأسهم. أحب”دبي للاستثمار”وپ”العربية الإسلامية للتأمين”وپ”اللوجستية”وطبعاً”أملاك”. كنت أحب”شعاع”لكن السهم أتعبني فتركته. وأحياناً يكون سهم”تبريد”سهماً جيداً. طبعاً ما زلت أحمل”إعمار”بخسارة. لن أبيعه لكنني لن أشتري مزيداً منه”.

وتختتم بالقول:”أهم مبدأ لدي أنني لا أفقد أعصابي. لا أنكر أنني أحس بالقهر عندما تهبط الأسعار، لكن هذا الشعور لا يسيطر علي وتجدني أعود وأضحك من جديد”.

مرحلة تصحيح؟

دخلت سوق دبي مرحلة تصحيح مع نهاية حزيران يونيو لازمتها اشهر الصيف حتى عاودت انطلاقتها الجديدة التي دفعت المؤشر من جديد باتجاه المستويات القياسية في أيلول سبتمبر. في الثامن عشر من ذلك الشهر أغلق المؤشر عند 1204 نقاط، بزيادة نسبتها 174 في المئة عن إغلاقه آخر أيام العام 2004. واستراح المؤشر أسابيع قليلة ليعاود ارتفاعه المحموم الى مستواه التاريخي القياسي في التاسع من تشرين الثاني نوفمبر عند 1267، بنمو نسبته 188 في المئة عن مطلع العام.

تلك كانت الأجواء عندما وصل المصري أبو محمد، وهو صاحب مكتب صيرفة في مصر الى البلاد.”جئت الى دبي بغية البدء بمشروع مطعم وكافتيريا. بدأت أدرس التكاليف وكانت مرتفعة بالفعل سواء لجهة جلب عمال أو استخراج إقامات لهم وإسكانهم. في تلك الأثناء تعرفت الى أناس شجعوني على دخول البورصة. كنا في رمضان. نزلت الى السوق بجزء من رأسمالي وكسبت في أول ثلاثة أيام من التداول 10 آلاف درهم”، يقول أبو محمد وهو في الخامسة والأربعين.”طبعاً شجعني ذلك على استثمار مزيد من المال فتفرغت للبورصة واليوم رأسمالي كله في السوق”.

ويبدو لك لوهلة أن أبو محمد واحد من كثيرين اختاروا أن تكون حياتهم الحقيقية مؤجلة بعض الشيء، فصنعوا في الردهة عالماً بديلاً بقواعده الخاصة ومزاجه الخاص.”المشكلة أنني علقت هنا وصرت أتهرب من عروض العمل. كل عرض أركز على سيئاته لأنني لا أستطيع أن أترك السوق الآن”، يقول فادي. أما أبو محمد فيقول:”باختصار هذه لعبة قمار. نجلس هنا والفلوس تلف حولنا. سألعب اللعبة حتى نهاية هذا العام وبعدها أباشر مشروعي التجاري”. ويضيف صبيح:”أشعر بأنني مدمن أحيانا. أغضب من أداء السوق وأقول ومعي أفراد عائلتي سنبيع كل شيء وننسحب تماماً من هذا العالم. في صباح اليوم التالي أعود وأجدهم كلهم جالسين على المقاعد نفسها ينتظرونني هنا”.

 

نشر في صحيفة الحياة بتاريخ 15/02/2006 *


Don`t copy!