سويسرا – زينة صوفان /

قبل أيام حملت معطفي الثقيل وقبعتي الصوفية وأقلامي وأجهزتي وأسئلتي الكثيرة وتوجهت لحضور المنتدى الاقتصادي العالمي الذي يعقد في كانون الثاني ( يناير) من كل عام في بقعة سويسرية مثلجة في حضن جبال الألب.

انطوت رحلتي هذا العام على سلسلة من المفاجآت… فالبرد فاجأني كما في كل عام وأحبطني في يومي الأول لتبدأ في اليوم الثاني رحلة تأقلمي باستخدام بخاخات الأنف ومرطبات الشفاه والكثير الكثير من شرب الماء.

وكما في كل عام فاجأتني سلاسة انسياب حركة المشاركين والحاضرين لفعاليات مؤتمر ينطوي على قدر هائل من التعقيدات اللوجستية والأمنية.

الجديد هذا العام كان تتابع المفاجآت التي طاولت أفكاري المسبقة وضربت بها عرض الحائط. سمعت في دافوس أن التباطؤ الصيني أزمة قابلة للإدارة وأن لدى صناع القرار في بكين مروحة واسعة من الخيارات لتفادي أي انهيار محتمل. قيل بالفم الملآن إن الصين وحدها لن تسقط الاقتصاد العالمي في الحفرة وإننا لا نقف جميعاً على حافة الهاوية.

قيل إن فيضان هلع السواق الناشئة باتجاه أسواق الأسهم في الاقتصادات المتقدمة ما هو إلا فصل عرضي لحالة من المخاض التي يعيشها مناخ السياسة النقدية على مستوى العالم بعد فصول طويلة من المال الرخيص دفعت المستثمرين من حافة الأدوات الخطرة إلى حافة الأدوات الأخطر. قيل في دافوس إن الأصول تبحث اليوم عن قيمها الحقيقية بينما العالم يعود إلى طبيعته شيئاً فشيئاً. وقيل في دافوس إن نقداً كثيراً ينتظر على الهوامش ريثما تهدأ العاصفة.

قيل في البلدة السويسرية إن زمن التيسير الكمي أتى ما يستطيع من أكل وإن الزمن بات زمن الإصلاح الهيكلي على مستوى الاقتصادات والأسواق.

وقيل إنه يتعين على العالم عدم تفويت فرصة الاستفادة من الأزمة «الجيدة» التي نعيشها!!

في دافوس بدا الشرق الأوسط بمشكلاته وأزماته ذكرى بعيدة وباهتة بينما ملأ الهياج الأوروبي فضاء المنتدى. إنه زمن الأسئلة الكبرى في القارة العجوز. إنها لحظة وجود أو عدمه لحلم وحدة قيد التنفيذ…إنه الامتحان الأكبر لجوهر القيم التي صاغت الشخصية الأوروبية ومثلت طريقة عيش يحلم بها الملايين حول العالم.

قيل في دافوس إن الإجراءات الفردية للدول على الحدود للتعامل مع موجات اللاجئين هي بمثابة تفكيك تدريجي للوحدة وإن المطلوب ضبط جماعي للحدود ودوزنة للأوضاع مع تركيا.

وقيل إن ثمة تعارضاً جوهرياً بين الصالح العام الذي ترعاه الدولة وبين مبدأ الحدود المفتوحة. ولكن قيل في المقابل إنك كلما رفعت الأسوار كلما ارتفع عدد المهربين الذين تواجههم. وجرى التذكير بالأثمان الباهظة التي سيتكبدها قطاع الأعمال لو ألغي العمل بالشنغن في لحظة حساسة من مسيرة التعافي الاقتصادي الصعب في أوروبا.

قيل إن أوروبا لا ولن تساوم على واجبها في الدفاع عن الهاربين من الخطر المتربص بهم وأنها آسفة على التحرك المتأخر بعدما ابتلع البحر رجالاً وأطفالاً ونساءً كثراً. لكن قيل ايضاً إن اللجوء مسألة أخرى لا بد أن تخضع لتحريات مسبقة وإن مسألة إعادة توزيع وإسكان اللاجئين لا تحتمل المزيد من التسويف.

ولدهشتي فإن تكرار لفظ اسم مدينة باريس لم يكن في سياق الإشارة إلى أحداث الإرهاب التي ضربت عاصمة النور أواخر 2015 وإنما للتدليل على تاريخية الإنجازات التي تحققت في قمة المناخ في كانون الأول (ديسمبر) والتي وضعت العالم على بداية طريق النهاية لعصر الوقود الأحفوري.

قيل في دافوس إن ثمة حاجة ملحة لتحول بعيد الأمد للخروج من دائرة الاقتصاد الكربوني. وقيل إن جمع عبارتي «ملحّ» و «بعيد الأمد» ليس عبثياً، فثمة أصول كثيرة عالقة في الاقتصاد كما نمارسه اليوم وثمة بصمة كربونية في كل ما نقوم به في حياتنا اليومية بينما ساعة الكوكب تدق محذرة من خطر محدق.

قيل إن الاقتصادات الناشئة تمثل فرصاً هائلةً للاستثمار الأخضر وإن صناعة النفط والغاز بكتلة مهندسيها الهائلة لا بد أن تكون حاضرة. وقيل إن هياكل التمويل الأخضر ستكون أكثر كلفة في بداياتها لكنها لن تلبث أن تلحق بالأدوات التقليدية مع تنامي الطلب عليها. قيل إن مبادرات على غرار «حزام واحد… طريق واحد» الصينية تدفع في هذا الاتجاه.

قيل إن على مجتمع الأعمال أن يترك اعتبارات النتائج المالية الريعية ويفكر على مسافة أبعد وأن الجهات التي لا تختار عقلية الاستدامة اليوم سيفوتها قطار النمو غداً. وفي دافوس حضر «هيوبو» الروبوت في البهو السفلي خارج قاعة المؤتمر الرئيسية يطالع الصحف ويلف ذراعه حول العابرين بين جلسات منتدى انعقد تحت عنوان الثورة الصناعية الرابعة.

قيل في دافوس إن الثورة الرابعة التي تتمثل بصعود الآلة والتكنولوجيا البيولوجية والذكاء الصناعي ستلغي اليد العاملة من الوجود. وقيل إن المصانع ستنتج أكثر بعمال وتكلفة رأسمالية أقل. وقيل أيضاً إن الثورة الرابعة تهدد البشرية باتساع الظلم وانعدام المساواة.

ولعل أخطر ما قيل في المنتدى الذي حاولت ابتلاعه عواصف الأسواق ورياح المهجرين إن الثورة الصناعية الرابعة تتهدد المبادئ التي صاغت معنى وجودنا كبشر حتى اليوم… وجود تمحور حول العمل والعائلة والمجتمع والهوية…

قيل في دافوس إن مستقبل الإنسانية رهن بوعي أخلاقي جماعي يتحدد اليوم وأن من دونه لا معنى لأي حديث عن تعاف صيني أو اتحاد أوروبي أو استثمار مالي.

 

نشر في صحيفة الحياة بتاريخ 27/01/2016 *


Don`t copy!